يا غَزالاً رَشيقاً في البَراري — كَالنَّسيمِ العَليلِ في الأسْحارِ تَتَهادى بِخُطُواتٍ كَالشِّعْرِ — وتَرْقُصُ كَالضِّياءِ في الأقْمارِ عَيْناكَ سَوْداوانِ كَاللَّيْلِ — تُضيئانِ دُروبَ الأفْكارِ وقَوامُكَ نَحيلٌ كَالغُصْنِ — يَمِيلُ مَعَ نَسَماتِ الأشْجارِ
في الصَّحْراءِ تَجولُ كَالمَلِكِ — بَيْنَ الكُثْبانِ والأحْجارِ وخُطُواتُكَ خَفيفَةٌ رَشيقَةٌ — كَأنَّها نَغَماتُ الأوْتارِ لَوْنُكَ ذَهَبِيٌّ كَالشَّمْسِ — يَتَلألأُ في ضَوْءِ النَّهارِ وقَرْناكَ كَالخَنْجَرَيْنِ — يَحْمِيانِكَ مِنْ شَرِّ الأشْرارِ
تَقْفِزُ فَوْقَ الصُّخورِ العالِيَةِ — كَالطَّيْرِ المُحَلِّقِ في الأجْواءِ وتَعْدو بِسُرْعَةِ البَرْقِ — عَبْرَ الوِديانِ والفَضاءِ رَشاقَتُكَ تُبْهِرُ النَّاظِرينَ — وجَمالُكَ يَأسِرُ الشُّعَراءِ في كُلِّ حَرَكَةٍ لَكَ سِحْرٌ — يَفوقُ جَمالَ الحُسْناءِ
أذُناكَ مُنْتَصِبَتانِ كَالرُّمْحَيْنِ — تَسْتَمِعانِ لِهَمْسِ الرِّياحِ وذَيْلُكَ يَتَراقَصُ خَلْفَكَ — كَعَلَمٍ يُرَفْرِفُ في الصَّباحِ أنْفُكَ الصَّغيرُ الأسْوَدُ — يَشُمُّ عِطْرَ الوُرودِ والرَّياحِينِ وفَمُكَ الوَرْدِيُّ النَّاعِمُ — يَقْطِفُ أوْراقَ الشِّيحِ والياسَمينِ
في الفَجْرِ تَسْتَيْقِظُ مُبَكِّراً — مَعَ أوَّلِ خُيوطِ الضِّياءِ وتَتَمَطَّى كَالقِطِّ الصَّغيرِ — تَحْتَ قُبَّةِ السَّماءِ ثُمَّ تَنْطَلِقُ في رِحْلَتِكَ — بَحْثاً عَنِ الماءِ والغِذاءِ وكُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطوها — تَحْكي قِصَّةَ البَقاءِ
عِنْدَ النَّبْعِ تَقِفُ حَذِراً — تَتَلَفَّتُ يَميناً وشِمالاً وعَيْناكَ تَرْقُبانِ المَكانَ — خَوْفاً مِنَ الخَطَرِ المُحْتَمَلِ ثُمَّ تَنْحَني بِرَشاقَةٍ — وتَشْرَبُ الماءَ العَذْبَ الزُّلالا وصَوْتُ ارْتِشافِكَ عَذْبٌ — كَنَغْمَةِ العودِ والدَّلالِ
في الظَّهيرَةِ تَسْتَظِلُّ — تَحْتَ شَجَرَةٍ وارِفَةِ الظِّلالِ وتَجْتَرُّ طَعامَكَ بِهُدوءٍ — كَحَكيمٍ يُفَكِّرُ في الأحْوالِ عَيْناكَ نِصْفُ مُغْمَضَتَيْنِ — تَحْلُمانِ بِالمَراعي والتِّلالِ وأذُناكَ تَرْصُدانِ الأصْواتَ — حَذَراً مِنَ الذِّئابِ الضَّوالِّ
عِنْدَ الغُروبِ تَعودُ أدْراجَكَ — إلى مَوْطِنِكَ الآمِنِ بَيْنَ الصُّخورِ والأشْواكِ — في مَكانٍ مُنيعٍ حَصينِ هُناكَ تَلْتَقي بِالقَطيعِ — مِنْ أهْلِكَ وذَوي قَرابَتِكَ وتَتَبادَلونَ الحَديثَ الصَّامِتَ — بِلُغَةِ العُيونِ والإشارَةِ
في اللَّيْلِ تَنامُ تَحْتَ النُّجومِ — والقَمَرُ يَحْرُسُ أحْلامَكَ وتَحْلُمُ بِالمَراعي الخَضْراءِ — وبِالجَداوِلِ الرَّقْراقَةِ وفي الحُلْمِ تَعْدو بِلا خَوْفٍ — عَبْرَ السُّهولِ الشَّاسِعَةِ وتَلْعَبُ مَعَ صِغارِ القَطيعِ — في أمانٍ وطُمَأنينَةٍ
يا أيُّها الغَزالُ الجَميلُ — يا رَمْزَ الرَّشاقَةِ والجَمالِ أنْتَ قَصيدَةٌ حَيَّةٌ — تَتَحَرَّكُ في عالَمِ الخَيالِ كُلُّ مَنْ يَراكَ يُعْجَبُ — بِجَمالِكَ الفَتَّانِ الأخَّاذِ وكُلُّ شاعِرٍ يَتَمَنَّى — أنْ يَكْتُبَ فيكَ أجْمَلَ الأشْعارِ
فَلْتَبْقَ يا غَزالُ الصَّحْراءِ — رَمْزاً لِلْجَمالِ والحُرِّيَّةِ وَلْتَعِشْ في أمانٍ وسَلامٍ — بَعيداً عَنِ الأخْطارِ والبَلِيَّةِ فَأنْتَ تُحْفَةُ الطَّبيعَةِ — وجَوْهَرَةُ البَراري النَّقِيَّةِ يا أجْمَلَ المَخْلوقاتِ — في هذِهِ الدُّنْيا الفانِيَةِ

Privacy Preference Center